الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
294
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
المذكورة حيث إنه يتبع الموارد التي يجري فيها ذلك دون غيرها كما في الأمثلة المذكورة ونحوها فالظاهر عدم تعميم محل البحث لسائر ما قيد فيه الحكم بالوصف وإن كان ظاهر إطلاق كلماتهم يعم الجميع إلا أنه لا بد من التقييد إذ لا مجال لتوهم جريان البحث في نحو ما ذكر من الأمثلة ولو مع الخلو عن القرائن والأظهر في بيان ذلك على ما يطابق كلامهم أن يقال إن محل البحث ما إذا ورد التقييد في مقام لا يظهر هناك فائدة أخرى للتقييد سوى انتفاء الحكم وإن احتمل هناك فوائد أخرى وأما مع ظهور فائدة كما في قولك رأيت رجلا عالما ونحوه من الأمثلة المتقدمة حيث إنه لا يؤدي مفاد رؤيته للعالم إلا بذكر القيد فلا مجال إذن لدلالته على انتفاء الحكم بانتفاء القيد فليس الدلالة في المقام إلا من جهة كون الفائدة المذكورة أظهر الفوائد حينئذ في فهم العرف أو من جهة تعليق الحكم على الوصف المشعر بإناطة الحكم به حسب ما أشرنا إليه ففي ذلك أقوى دلالة على ما قلناه ثم إن هاهنا أمورا ربما يتوهم منافاته للخلاف المذكور في المقام وقضائها باعتبار هذا المفهوم من دون تأمل منهم فيه لا بد من الإشارة إليها وبيان الحال فيها أحدها ما اشتهر في الألسنة من أن الأصل في القيد أن يكون احترازيا ولا تزال تريهم يلاحظون ذلك في الحدود والتعريفات ويناقشون في ذكر قيد لا يكون مخرجا لشيء وكذا لا يعرف الخلاف بين الفقهاء في الأغلب إلا من جهة التقييدات المذكورة في كلامهم وعدمها حيث إنه يعرف اختلافهم في المسائل من جهة اختلافهم في القيود المأخوذة في فتاويهم أو اختلافهم في الإطلاق والتقييد وليس ذلك إلا من جهة ظهور التقييد في كونه احترازيا وإلا لما أفاد ذلك أصلا وفيه أولا أن ذلك أمر جرت عليه الطريقة في المقامات المذكورة فإن المتداول بينهم في الحدود والتعريفات هو ذلك وقد بنوا على ملاحظة الاحتراز في التقييدات وكذا الحال في بيان الأحكام المدوّنة في الكتب الفقهية بل وفي سائر العلوم المدونة أيضا فجريان طريقتهم على ذلك كاف في إفادته له في كلامهم وكان مقصودهم من الأصل المذكور هو ذلك نظرا إلى ما عرفت من بنائهم عليه ولا يقضي ذلك بكونه الأصل في الاستعمالات العرفية والمحاورات الدائرة في ألسنة العامة وثانيا أن المراد بكون القيد احترازيا أن يكون مخرجا لما لا يندرج فيه عما يشمله من الإطلاق أو العموم الثابت لما انضم إليه ذلك القيد فأقصى ما يفيده ذلك هو الخروج عن مدلول تلك العبارة وما هو المراد منها في ذلك المقام لا عدم شمول ذلك الحكم له بحسب الواقع وبعبارة أخرى أن ما يفيده اختصاص الحكم بالواقع بتلك الصورة وخروج المخرج من شمول ذلك الحكم له لا تخصيص المحكوم به بذلك حتى يفيد ثبوته خلافه للمخرج بحسب الواقع فالقيد التوضيحي المتروك في الحدود غالبا هو ما لا يفيد إخراج شيء من الحد وإنما ثمرته مجرد الإيضاح والبيان فأقصى ما يفيده القيد الاحترازي في مقابلة التوضيحي هو ما ذكرناه وهذا مما لا مدخل له بدلالة المفهوم حيث إن المقصود دلالته على نفي الحكم عند انتفاء الوصف أو القيد بحسب الواقع لكن لما كان المعتبر في الحدود مساواة الحد للمحدود ومطابقة المحدود للحد بحسب الواقع كان اللازم من ذلك انتفاء صدق المحدود على فاقد القيد فلزوم الانتفاء واقعا مع انتفاء القيد أنما هو من تلك الجهة لا من مجرد كون القيد احترازيا حتى يفيد حجية المفهوم حسب ما عرفت من عدم إفادته زيادة على ما بيناه في مقابلة القيد التوضيحي واعتباره كذلك في بيان الأحكام وإن لم يكن مخلا بالمقام إلا أنه لا يناسب مقام تدوين الأحكام سواء كانت شرعية أو غيرها من سائر العلوم المدوّنة إذ لا داعي هناك غالبا على الاختصاص إلا من جهة عدم حكم ذلك الحاكم بما عداه فإذن ملاحظة المقام في تدوين الأحكام قاضية بذلك دون مجرد التقييد فظهر بما قررنا أن أصالة كون القيد احترازيا لا ينافي القول بنفي المفهوم أصلا وأن دلالته على الانتفاء بالانتفاء في المقامين المذكورين إنما هي من الجهة التي ذكرناها دون مجرد الأصل المذكور ثانيها عدهم الصفات من المخصصات المتصلة للعمومات ولا خلاف لهم في ذلك في مباحث التخصيص وهذا بظاهره مناف لما ذكر من انتفاء الدلالة في المقام وفيه ما عرفت من الفرق الظاهر بين تخصيص اللفظ بمورد الصفة وتخصيص الحكم به بحسب الواقع بأن يدل على عدم ثبوت الحكم لغيره بحسب الواقع والذي يدل عليه التقييد المذكور هو الأول خاصة وهو مرادهم في مقام عده من المخصصات والملحوظ في المقام هو الأمر الثاني وهو يمكن اجتماعه مع الأول وعدمه فإن قلت إنهم عدوا ذلك في عداد سائر المخصصات المتصلة كالاستثناء والشرط والغاية وهي تدل على انتفاء الحكم في المستثنى ومع انتفاء الشرط وفيما بعد الغاية وليس مفادها مقصورا على مجرد رفع الحكم المدلول عليه بالعبارة حسب ما ذكر والظاهر كون الجميع من قبيل واحد أو أن ذلك هو المراد بكونه من المخصصات قلت ليس المراد من عد المذكورات من المخصصات إلا ما ذكرناه وأما دلالتها على انتفاء الحكم المذكور بحسب الواقع بالنسبة إلى المخرج فهو أمر آخر لا دخل له بذلك ولذا وقع الخلاف فيها بالنسبة إلى كل منها مع اتفاقهم على كونها من المخصصات فإنه قد خالف أبو حنيفة ومن تبعه في الاستثناء من المنفي والخلاف في مفهوم الشرط والغاية معروف ثالثها ما اتفقوا عليه من لزوم حمل المطلق على المقيد مع اتحاد الموجب كما إذا قيل إن ظاهرت فأعتق رقبة وإن ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة فإنه لا إشكال عندهم حينئذ في وجوب حمل المطلق على المقيد مع أنه لا معارضة بينهما ليفتقر إلى الحمل إلا مع البناء على دلالة المقيد على انتفاء الحكم بانتفاء القيد ليقع المعارضة بينه وبين إطلاق منطوق الآخر وإلا فأي منافاة بين ثبوت الحكم في المقيد وثبوته في سائر أفراد المطلق أيضا غاية الأمر أن يكون الدليل على ثبوته في المقيد من وجهين والدليل على ثبوته في المطلق من وجه واحد فالاتفاق على ذلك في المقام المذكور ينافي الخلاف الواقع في المقام مع ذهاب كثير من المحققين في المقام إلى نفى الدلالة ويدفعه أنه ليس ما بنوا عليه من وجوب الحمل من جهة المعارضة بين منطوق الأول ومفهوم الثاني فرجحوا المفهوم الخاص على إطلاق المنطوق كيف ولو كان كذلك لما جرى في الألقاب لاتفاقهم على المنع من مفهوم اللقب مع أنه لا كلام أيضا في وجوب الحمل كما إذا قال لعبده إن قدم أبي فأطعم الفقراء ثم قال إن قدم أبي فأطعم الفقراء الخبز واللحم فإنه يجب أيضا حمل المطلق على المقيد من غير فرق بينه وبين غيره اتفاقا مع أنه لا مفهوم له عند المحققين بل إنما ذلك من جهة المعارضة بين المنطوقين فإن الظاهر من الأمر بالمطلق هو الاكتفاء في الامتثال بأي فرد منه ولو كان من غير أفراد المقيد